الشيخ محمد الصادقي

334

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

وهنا التصدق مرحلي ، أن يتصدق بقصاص الجريمة إلى الدية ، ثم بالدية إلى بعضها ، ومن ثم إلى طليق التصدق ، ولا مجال للتصدق إلَّا مجالاتها المناسبة التي تقتضيه ، وأما المجرم الذي يحمله السماح على الإجرام أم لا يتوب به ، فالسماح عنه إجرام ، إذ ليس التصدق بالقصاص في شرعة اللَّه إلا تأديباً أديباً للمجرم ، فحين لا يؤدب به فليأدب بنفس القصاص . فمثلث الحكم : القصاص ، والتصدق عنه إلى الدية ، أم العفو ، هو مما أنزل اللَّه « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » كذلك الحكم « فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . ذلك ، وهل إن القصاص بالمماثل يختص بصورة العمد ، أم وسواه ؟ آية البقرة تختص المماثل بالعمد : « ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً . . » إذاً ف « النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » في صورة العمد تعني أصل النفس وفي الخطأِ ديتها ، وفي الأعضاء قِيَمها حسب المقرر في السنة ، وفي الجروح تكاليف برءها . ثم ترى « فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ » تعنى كفارة المتصدق - فقط - وهو صاحب الحق ، أم والذي عليه الحق ؟ المحور الأساس هو صاحب الحق حيث يشجَّع على ذلك التصدق حتى يكون كفارة له ، ومن ثم هو كفارة لمن عليه الحق أيضاً بذلك التصدق إن تاب عما فعل . ولأن « فَمَنْ تَصَدَّقَ » تعم إلى المتصدقين غير المعصومين ، المعصومين أيضاً ، بل هم أحرى بذلك التصدق ف « كَفَّارَةٌ لَهُ » لهم ليست الا ترفيع درجة ، ومهما لا تصح « كَفَّارَةٌ لَهُ » لخصوص ترفيع درجة ، فقد تصلح شاملة له من شملتهم من غير المعصومين . ثم « فَمَنْ تَصَدَّقَ » ترغيب للتصدق كأصل وضابطة ، ومما يستثنى منها التصدق للعامد غير التائب عما تعمد وهو يشجع في مواصلة الجريمة ، فإن التصدق له معاونة على الإثم والعداون وترك الإنتصار أمام الظالم ، فقد تخصص هذه الضابطة بغيره ، مهما تاب أو يتوب بذلك التصدق أو يُصدُّ عن مواصلة الجريمة وإن لم يتب . فهنا حق لصاحب الحق وهو القصاص ، وحق لسائر المسلمين ، مهما سقط حق صاحبه بما يتصدق ، فليس ليسقط حق الآخرين الذين تستجر لعنة من عليه الحق إليهم